الشنقيطي
240
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
يروا في ذلك اليوم أعمالهم التي عملوها من قبل ، فتكون صيغة المضارع هنا من باب الالتفات ، حيث كان السياق أولا من أول السورة في معرض الإخبار عن المستقبل : إذا زلزلت الأرض زلزالها ، وإذا أخرجت الأرض أثقالها ، وإذا قال الإنسان ما لها . في ذلك اليوم الآتي تحدث أخبارها ، وفي ذلك اليوم يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم التي عملوها من قبل كما في قوله : يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ [ النبأ : 40 ] ، وقوله : وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً [ الكهف : 49 ] . ثم جاء الالتفات بمخاطبتهم على سبيل التنبيه والتحذير ، فمن يعمل الآن في الدنيا مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل الآن في الدنيا مثقال ذرة شرا يره في الآخرة ، ومثقال الذرة ، قيل : هي النملة الصغيرة ، لقول الشاعر : من القاصرات الطرف لو دب محول * من الذر فوق الإتب منها لأثرا والإتب : قال في القاموس : الإتب بالكسر ، والمئبتة كمكنسة برد يشق ، فتلبسه المرأة من غير جيب ولا كمين ، وقيل : هي الهباء التي ترى في أشعة الشمس ، وكلاهما مروي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما . وسيأتي زيادة إيضاح لكيفية الوزن في سورة القارعة إن شاء اللّه . ولعل ذكر الذرة هنا على سبيل المثال لمعرفتهم لصغرها ، لأنه تعالى عمم العمل في قوله : يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ [ النبأ : 40 ] ، أيا كان هو مثقال ذرة أو مثاقيل القناطير ، وقد جاء النص صريحا بذلك في قوله تعالى : وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [ يونس : 61 ] . وهنا تنبيهان : الأول من ناحية الأصول ، وهو أن النص على مثقال الذرة من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى ، فلا يمنع رؤية مثاقيل الجبال ، بل هي أولى وأحرى . وهذا عند الأصوليين ما يسمى الإلحاق بنفي الفارق ، وقد يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به ، وقد يكون مساويا له ، فمن الأول هذه الآية وقوله : فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما [ الإسراء : 23 ] ، ومن المساوي قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً [ النساء : 10 ] ، فإن إحراق ماله